الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

342

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وفي الآية محسن الجمع مع التقسيم ، ومحسن الطباق ، أربع مرات بين أَعْطى و بَخِلَ ، وبين اتَّقى ، و اسْتَغْنى ، وبين و صَدَّقَ و كَذَّبَ وبين « اليسرى » و « العسرى » . وجملة : وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى عطف على جملة فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى أي سنعجل به إلى جهنم . فالتقدير : إذا تردّى فيها . والتردّي : السقوط من علوّ إلى سفل ، يعني : لا يغني عنه ماله الذي بخل به شيئا من عذاب النار . و ما يجوز أن تكون نافية . والتقدير : وسوف لا يغني عنه ماله إذا سقط في جهنم ، وتحتمل أن تكون استفهامية وهو استفهام إنكار وتوبيخ . ويجوز على هذا الوجه أن تكون الواو للاستئناف . والمعنى : وما يغني عنه ماله الذي بخل به . روى ابن أبي حاتم عن عكرمة عن ابن عباس : « أنه كانت لرجل من المنافقين نخلة مائلة في دار رجل مسلم ذي عيال فإذا سقط منها ثمر أكله صبية لذلك المسلم فكان صاحب النخلة ينزع من أيديهم الثمرة ، فشكا المسلم ذلك إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فكلم النبي صلى اللّه عليه وسلم صاحب النخلة أن يتركها لهم وله بها نخلة في الجنة فلم يفعل ، وسمع ذلك أبو الدحداح الأنصاري « 1 » فاشترى تلك النخلة من صاحبها بحائط فيه أربعون نخلة وجاء إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : « يا رسول اللّه اشترها مني بنخلة في الجنة فقال : نعم والذي نفسي بيده ، فأعطاها الرجل صاحب الصبية ، قال عكرمة قال ابن عباس : فأنزل اللّه تعالى : وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى [ الليل : 1 ] إلى قوله : لِلْعُسْرى وهو حديث غريب ، ومن أجل قول ابن عباس : فأنزل اللّه تعالى : وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى قال جماعة : السورة مدنية وقد بينا في المقدمة الخامسة أنه كثيرا ما يقع في كلام المتقدمين قولهم : فأنزل اللّه في كذا قوله كذا ، أنهم يريدون به أن القصّة ممّا تشمله الآية . وروي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « كم من عذق رداح في الجنة لأبي الدحداح » ولمح إليها بشار بن برد في قوله :

--> ( 1 ) أبو الدحداح : ثابت بن الدحداح البلوي ، حليف الأنصار ، صحابي جليل ، قتل في واقعة أحد ، وقيل : مات بعدها من جرح كان به حين رجع النبي صلى اللّه عليه وسلم من الحديبية ، وصلى عليه النبي صلى اللّه عليه وسلم في المدينة وهو الذي صاح يوم أحد لما أرجف المشركون بموت النبي صلى اللّه عليه وسلم : يا معشر الأنصار إليّ إليّ أنا ثابت بن الدحداح إن كان محمد قد قتل فإن اللّه حيّ لا يموت ، فقاتلوا عن دينكم فإن اللّه مظهركم وناصركم .